سهيلة عبد الباعث الترجمان
432
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
رؤية نفسه في أمر آخر له كالمرآة ، فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه بما لم يكن له ليظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه فيه « 1 » . وهذا ما دلّ عليه قوله : " أنه لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله . . . وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ، ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوّى محلا إلّا ويقبل روحا إلهيا عبّر عنه بالنفخ فيه " « 2 » هذا هو المحل الذي ظهر فيه الحق وتجلى فيه ، وهو ما أشار إليه بآدم الذي كان عين جلاء « * » تلك المرآة ، وروح تلك الصورة ، كما كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم " بالإنسان الكبير " . فيتبين من ذلك أن أكمل صورة ظهر فيها الحق هي الصورة الإنسانية التي تعتبر مجلى للحق ، تجلّى فيها الوجود بكل معانيه وكمالاته ، بل جعلها مخزن أسراره ، ومن هنا استحق الإنسان لقب الخلافة عن اللّه في الأرض ، بل كان له الأفضلية على سائر الخلق ممن أوجدهم الحق من الملائكة ، فكان الإنسان بذلك أحب المخلوقات إلى اللّه ، وأكثرهم حرصا عليه وعلى بقائه ، ولهذا منع قتل النفس وحرّم هدمها وإتلافها ، بل منع هدم النشأة الإنسانية التي تتمثل فيها أكمل الصور الإلهية ، فمراعاة الإنسانية مراعاة للحق الموجد لها . وهكذا تكون المحبة الإلهية هي سبب الخلق والدافع إلى إيجاده ، وما يعنيه بالخلق ليس هو الخلق من العدم المطلق كما بينا ، بل ظهور الحق في أعيان الممكنات . فإذا كان الحب على هذه الصورة المتبادلة بين الحق والخلق ، فهو يدعو إلى الحنين من النفس والروح بالعودة إلى أصلها وباعثها ، وهذا ما يتمثل في استمرارية الخلق ودوامه ثم الفناء في الحق بعد ذلك فيكون رجوعا إلى الأصل ، وهذه حركة دائرية لا انقطاع بين أجزائها ، فهي تبدأ بحب الحق للخلق ، فيخلق ما يظهر صفته وأسماءه
--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، ص 240 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 49 . ( * ) جلاء تلك المرآة : كشفها ، والجلاء الوضوح ، الأمر الجلي ، ( المنجد ، باب الجلاء ) .